البغوي

79

شرح السنة

وَلَو تزوج صَغِيرَة وكبيرة ، فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ ، انْفَسَخ نكاحُهما ، لِأَنَّهُمَا صارتا أما وبنتًا مَعًا ، ثُمَّ إِن كَانَ الرَّضاع بِلَبن الزَّوْج ، فهما محرمتان عَلَيْهِ على التَّأْبِيد ، لِأَن الصَّغِيرَة ابنتهُ ، والكبيرة أم من كَانَت زَوْجَة لَهُ ، وَإِن كَانَ بِلَبن غَيره ، فَإِن كَانَ بعد الدُّخُول بالكبيرة ، فَكَذَلِك ، لِأَن الْكَبِيرَة أمُّ زَوجته ، وَالصَّغِيرَة بنتُ زَوجته الَّتِي دخل بهَا ، وَإِن كَانَ قبل الدُّخُول بالكبيرة ، فالكبيرة مُحرمَة عَلَيْهِ على التَّأْبِيد ، وَيجوز لَهُ أَن يَبْتَدِئ نكاحَ الصَّغِيرَة ، وَلَو تزوج رضيعتين ، فأرضعتهما أَجْنَبِيَّة مَعًا ، انْفَسَخ نكاحُهما ، لِأَنَّهُمَا صارتا أُخْتَيْنِ ، وَللزَّوْج أَن يَبْتَدِئ نِكَاح وَاحِدَة مِنْهُمَا ، وَلَا يجوزُ الْجمع بَينهمَا ، لِأَنَّهُمَا أختَان وَلَو أرضعتهما على التَّرْتِيب ، فبإرضاع الأولى لَا يَنْفَسِخ نِكَاحهمَا ، فَإِذا أرضعت الثَّانِيَة ، انْفَسَخ نكاحُ الثَّانِيَة ، وَفِي انْفِسَاخ نِكَاح الأولى قَولَانِ ، أصَحهمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حنيفَة : يَنْفَسِخ ، لِأَن انْعِقَاد الْأُخوة بَينهمَا برضاع الثَّانِيَة مَعًا ، كَمَا لَو أرضعتهما مَعًا ، وَإِذا نزل للبكر لبن ، فأرضعت بِهِ صَبيا ، تثبت الْحُرْمَة إِذا كَانَت فِي سنّ يحْتَمل فِيهَا الْبلُوغ ، وَهِي تسع سِنِين ، وَلَو نزل للرجل لبن فأرضع بِهِ صَبيا لَا تثُبت بِهِ الْحُرْمَة . قَالَ الإِمَامُ : والرَّضاع كالنسب فِي تَحْرِيم المناكحة ، وَإِثْبَات الْمَحْرَمِيَّة حَتَّى تجوز الْخلْوَة والمسافرة بمحارم الرَّضَاع ، وَيسْتَحب لَهُ برُّ الْمُرضعَة ، فقد رُوِيَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل ، قَالَ : " كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ ، فَبَسَطَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِدَاءَه حَتَّى قَعَدَتْ ، قيل : هَذِه كانَتْ أَرْضَعَتِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .